لم تمضِ أربع وعشرون ساعة على توقيع اتفاق التعاون النووي بين السعودية ووزارة الطاقة الأميركية، حتى خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمواقف بدت وكأنها تنسف نقطتين أساسيتين راهنت عليهما الرياض خلال المفاوضات.
تتمثل النقطة الأولى في تأكيد الإدارة الأميركية رفض تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية، رغم أن الرياض كانت قد أصرّت، خلال مراحل التفاوض، على الاحتفاظ بحقها في تطوير دورة الوقود النووي محلياً.
أما النقطة الثانية، فتتعلق بربط تنفيذ الاتفاق بانضمام السعودية إلى «الاتفاقيات الإبراهيمية»، أي تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلي. وكانت الرياض قد اشترطت، في المقابل، الحصول على موافقة إسرائيلية مبدئية على حل الدولتين، إلى جانب تعهّد بقبول قيام دولة فلسطينية، وهو شرط ترفضه تل أبيب وتعتبره غير قابل للتحقق، ولا سيما في ظل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الحالية.
ماذا جرى؟
بعد ظهر الأربعاء، اجتمع مسؤولون في مقر وزارة الطاقة الأميركية وسط واشنطن لحضور حدث انتظرته الأطراف المعنية لأكثر من عقدين، تمثل في توقيع اتفاق تعاون نووي مدني بين الولايات المتحدة والسعودية.
وقاد مراسم التوقيع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، فيما شارك نظيره السعودي، وزير الطاقة عبد العزيز بن سلمان، عبر شاشة كبيرة في بث مباشر من الرياض.
ويندرج الاتفاق ضمن ما يُعرف أميركياً بـ«اتفاقيات 123»، وهي اتفاقيات تعاون نووي مدني تتيح للشركات الأميركية نقل التكنولوجيا والمعدات والخبرات اللازمة لإنشاء المفاعلات النووية وتشغيلها في المملكة.
إلا أن أهمية الاتفاق لا تقتصر على بناء محطات لإنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى طبيعة القيود المفروضة على البرنامج النووي السعودي، ولا سيما في ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك.
الدورة النووية الكاملة
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الاتفاق لم يتبنَّ بصورة واضحة ما يُعرف بـ«المعيار الذهبي» الذي طُبّق في الاتفاق النووي الأميركي مع الإمارات، والذي يقوم على التخلي الدائم عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك داخل الدولة المعنية.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية؛ فامتلاك دورة الوقود النووي لا يعني تلقائياً امتلاك سلاح نووي، لكنه يقلّص بصورة كبيرة المسافة التقنية والزمنية المطلوبة للوصول إلى القدرة على إنتاجه، في حال اتُّخذ قرار سياسي بذلك.
يندرج الاتفاق مع السعودية ضمن ما يُعرف أميركياً بـ«اتفاقيات 123»، وهي اتفاقيات تعاون نووي مدني تتيح للشركات الأميركية نقل التكنولوجيا والمعدات والخبرات اللازمة لإنشاء المفاعلات النووية وتشغيلها في المملكة
ومع الاعتراضات والمواقف التي صدرت عن ترامب عقب التوقيع، يبدو أن الاتفاق لا يزال غير مستقر قانونياً وسياسياً، ولا يمكن التعامل معه بوصفه صفقة نهائية مكتملة وقابلة للتنفيذ الفوري.
تطرح طبيعة الاتفاق وتوقيته سؤالاً أساسياً حول الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى المضي فيه، رغم التحفظات المرتبطة بتخصيب اليورانيوم والمخاوف من انتشار القدرات النووية في المنطقة.
العقود التجارية
تشير المعلومات إلى أن أحد أبرز الدوافع الأميركية يتمثل في إغلاق الطريق أمام روسيا والصين، ومنع السعودية من تطوير تعاون نووي معهما. فواشنطن لا تريد أن تتحول الرياض، بما تمتلكه من إمكانات مالية وموقع استراتيجي وثقل إقليمي، إلى سوق مفتوحة أمام الشركات والتكنولوجيا النووية الروسية أو الصينية.
ومن المنظور الأميركي، لا يمثل الاتفاق خياراً استراتيجياً وأمنياً فحسب، بل يُعد أيضاً صفقة تجارية طويلة الأمد. فالبرنامج النووي السعودي قد يمتد على مدى نحو ثلاثين عاماً، ويستدعي إنفاق مليارات الدولارات على بناء المفاعلات، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والصيانة، وتأمين الوقود والخدمات التقنية.
ومن شأن ذلك أن يتيح للشركات الأميركية الحصول على عقود ضخمة، وأن يضخ أموالاً في الاقتصاد الأميركي، ويوفر فرص عمل للمواطنين الأميركيين على مدى سنوات طويلة.
أما توقيت الاتفاق، في ظل الحرب المستمرة على إيران والتوتر المرتبط ببرنامجها النووي، فقد يعكس رغبة واشنطن في إحداث نوع من التوازن النووي والتقني بين إيران ودول الخليج. ويعني ذلك السماح للسعودية بالاقتراب من مرتبة «الدولة النووية» من حيث امتلاك البنية التحتية والمعرفة والقدرة التقنية، حتى وإن لم تمتلك سلاحاً نووياً بصورة فعلية.
طهران VS الرياض
وبهذا المعنى، قد يكون الهدف الأميركي منح الرياض قدرة ردع تقنية أو سياسية في مواجهة إيران، من دون تمكينها رسمياً من إنتاج سلاح نووي، مع إبقاء البرنامج تحت الإشراف والرقابة الأميركية.
لكن هذه السياسة الأميركية تنطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها أن السماح لدولة خليجية بامتلاك قدرات تخصيب اليورانيوم، استناداً إلى كون نظامها الحاكم حليفاً لواشنطن، يفترض أن هذا النظام سيبقى مستقراً وحليفاً على المدى الطويل.
وهذا الافتراض لا يأخذ في الاعتبار المتغيرات المحتملة داخل أنظمة الخليج، ولا سيما في السعودية، حيث تشير الأوضاع الاجتماعية والسياسية إلى وجود تحديات داخلية لا يمكن تجاهلها.
فعلى المستوى الشعبي، تواجه المملكة مشكلات مرتبطة بالبطالة والفقر واتساع الفوارق الاجتماعية، بالتزامن مع ممارسات قمعية شديدة بحق المعارضين والناشطين والمواطنين الذين ينتقدون سياسات السلطة.
كما توجد اعتراضات داخل بعض أجنحة العائلة الحاكمة على سياسات ولي العهد محمد بن سلمان، حتى وإن لم يُعبَّر عنها بصورة علنية بسبب طبيعة النظام وشدة القبضة الأمنية.
التسليم بالنووي السعودي؟
ومن هنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن للإدارة الأميركية أن تثق بتسليم دولة ما قدرات نووية حساسة، في وقت قد تتعرض فيه هذه الدولة مستقبلاً لاضطرابات داخلية أو تحولات سياسية أو صراعات داخل بنية الحكم لا يستطيع أحد التنبؤ بمسارها أو نتائجها؟
فالمنشآت والقدرات النووية لا ترتبط بشخص الحاكم الحالي فقط، بل تبقى قائمة لعقود، وقد تنتقل إدارتها إلى قوى أو قيادات أو أنظمة سياسية مختلفة تماماً عن تلك التي أبرمت الاتفاق في البداية.
ومن المخاطر الأخرى أن السماح للسعودية بتخصيب اليورانيوم، أو حتى الاقتراب من امتلاك دورة وقود نووي متكاملة، سيمنح إيران حجة سياسية وقانونية قوية للقول إن المجتمع الدولي يتعامل مع الدول وفق معايير مزدوجة.
فإذا كانت الدولة حليفة للولايات المتحدة، يمكن السماح لها بتطوير قدرات نووية وتخصيب اليورانيوم تحت عنوان الاستخدام السلمي. أما إذا كانت على خلاف مع واشنطن، فقد تتعرض للعقوبات والتهديدات، وربما لحرب لا تستند إلى مسوغ قانوني واضح، حتى لو أعلنت أن برنامجها مخصص للأغراض المدنية.
ومن شأن ذلك أن يضعف الموقف الأميركي أمام إيران، ويقوّض صدقية الخطاب الغربي القائل إن المشكلة تكمن في التخصيب نفسه، لا في هوية الدولة التي تمارسه وتحالفاتها السياسية.
كما قد تستخدم طهران الاتفاق السعودي ـ الأميركي لتأكيد أن الضغوط المفروضة عليها لا تتعلق حصراً بمنع الانتشار النووي، بل بمحاولة منع خصوم الولايات المتحدة من امتلاك قدرات تقنية تسمح بها في المقابل لحلفائها.
السباق النووي
ولا تتوقف تداعيات الاتفاق عند حدود العلاقة بين السعودية وإيران. فتحول المملكة إلى دولة تمتلك بنية نووية متقدمة، وربما قدرات تخصيب محلية، قد يدفع دولاً إقليمية أخرى إلى المطالبة بالحق نفسه.
فدول مثل تركيا ومصر قد ترى أن صعود السعودية نووياً يخلّ بالتوازن الإقليمي، ويدفعها إلى تطوير برامجها النووية المدنية، وتوسيع بنيتها التحتية، وربما السعي لاحقاً إلى تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها.
وهذا من شأنه أن يطلق سباقاً نووياً إقليمياً لا يقوم بالضرورة على امتلاك الأسلحة بصورة فورية، بل على امتلاك ما يُعرف بـ«القدرة النووية الكامنة»، أي امتلاك التكنولوجيا والبنية والخبرة التي تسمح للدولة بالانتقال نحو إنتاج السلاح خلال فترة أقصر، إذا اتخذت قراراً سياسياً بذلك.
ومع تعدد البرامج النووية ومراكز التخصيب في منطقة تعاني أصلاً من الحروب والتوترات والصراعات بين الدول، تزداد مخاطر سوء الحسابات والتسربات والحوادث والهجمات على المنشآت النووية، فضلاً عن احتمالات انهيار أنظمة سياسية أو انتقال التكنولوجيا والخبرات إلى جهات غير دولية.
وبذلك، قد يؤدي الاتفاق، بدلاً من تعزيز الاستقرار والردع، إلى فتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من الانتشار النووي والتنافس الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
في جميع الأحوال، جاء منشور دونالد ترامب على منصة «تروث سوشال»، في اليوم التالي لإعلان الاتفاق، ليُخرج المشروع من إطاره المعلن بوصفه تعاوناً نووياً مدنياً وسلمياً، ويُدخله بصورة مباشرة في البازار الجيوسياسي وحسابات التحالفات الإقليمية.
النووي مقابل التطبيع
فربط الاتفاق النووي بانضمام السعودية إلى «الاتفاقيات الإبراهيمية» يعني أن واشنطن لا تتعامل مع البرنامج السعودي بوصفه مشروعاً مستقلاً لإنتاج الطاقة وتنويع الاقتصاد، بل باعتباره ورقة سياسية تُستخدم لدفع الرياض نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل وإعادة تشكيل موازين المنطقة.
ولم يكن الحديث عن انضمام السعودية إلى هذه الاتفاقيات جديداً. فقبل عملية «طوفان الأقصى» والحرب على غزة، كانت المفاوضات السعودية ـ الإسرائيلية قد قطعت شوطاً متقدماً، وكانت الاتصالات بين ولي العهد محمد بن سلمان والمسؤولين الأميركيين والإسرائيليين تقترب، بحسب ما كان معلناً آنذاك، من التوصل إلى صيغة نهائية تشمل التطبيع مقابل حزمة من الضمانات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الأميركية للرياض، كان البرنامج النووي المدني أحد عناصرها الأساسية.
إلا أن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وما رافقها من توسع المواجهات إلى لبنان وسوريا ومناطق أخرى، جعلت الإقدام على هذه الخطوة أكثر صعوبة بالنسبة إلى السعودية، حتى لو كانت القيادة السعودية لا تزال راغبة في التطبيع وتسعى إليه على المدى البعيد.
فمن الصعب على المملكة، في الظروف الحالية، توقيع اتفاق تطبيع علني مع حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، فيما تستمر الحرب على غزة والاعتداءات على لبنان وسوريا، وتواصل الحكومة الإسرائيلية رفضها الصريح لإقامة دولة فلسطينية، بل وترفض حتى العودة الجدية إلى الحديث عن حل الدولتين.
وفي ظل هذه المعطيات، لن يظهر التطبيع بوصفه جزءاً من تسوية إقليمية متوازنة، بل قد يبدو تنازلاً سعودياً مجانياً لإسرائيل، يمنحها اعترافاً سياسياً ودبلوماسياً من إحدى أهم الدول العربية والإسلامية من دون أن تقدم في المقابل أي التزام فعلي تجاه الحقوق الفلسطينية.
كما أن الإقدام على هذه الخطوة من دون مسار واضح وملزم لإقامة دولة فلسطينية سيعني عملياً تقويض مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت عام 2002، والتي ربطت إقامة علاقات طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل بانسحابها من الأراضي المحتلة وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
الهدف الأميركي هو منح الرياض قدرة ردع تقنية أو سياسية في مواجهة إيران، من دون تمكينها رسمياً من إنتاج سلاح نووي
ومن شأن التخلي عن هذا السقف أن يضعف الموقع السياسي والديني للسعودية، ويعرضها لخسارة واسعة في الرأي العام العربي والإسلامي، خصوصاً أن المملكة تحاول تقديم نفسها بوصفها دولة مركزية في العالمين العربي والإسلامي، وحامية للقضايا الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولا تتعلق هذه الخسارة بالصورة الإعلامية وحدها، بل بمكانة السعودية الإقليمية وقدرتها على قيادة أي مسار سياسي عربي في المستقبل. إذ إن التطبيع في ظل استمرار الحرب وغياب أي ثمن سياسي إسرائيلي قد يسمح لخصوم الرياض باتهامها بالتخلي عن المبادرة التي أطلقتها بنفسها، وباستخدام القضية الفلسطينية ثمناً للحصول على ضمانات أمنية وتكنولوجيا نووية أميركية.
الصفقة
من هنا، يمكن فهم منشور ترامب بوصفه محاولة لرفع ثمن الاتفاق النووي بالنسبة إلى السعودية، وتحويله من تعاون تقني وتجاري إلى صفقة سياسية متكاملة: التكنولوجيا النووية والضمانات الأميركية في مقابل التطبيع مع إسرائيل.
لكن هذا الربط قد يؤدي أيضاً إلى تعطيل الاتفاق نفسه، لأن الشروط السياسية المطلوبة من الرياض باتت أكثر كلفة من أي وقت مضى، في ظل رفض الحكومة الإسرائيلية تقديم الحد الأدنى الذي يسمح للسعودية بتسويق التطبيع داخلياً وعربياً وإسلامياً.
وبذلك يصبح الاتفاق النووي جزءاً من معادلة شديدة التعقيد: الولايات المتحدة تريد إبعاد السعودية عن الصين وروسيا، وإسرائيل تريد تطبيعاً بلا ثمن فلسطيني، فيما تريد الرياض الحصول على برنامج نووي وضمانات أمنية من دون تحمل الكلفة السياسية والشعبية لاتفاق منفصل مع إسرائيل. وهذه التناقضات تجعل المشروع أقرب إلى أداة مساومة وضغط متبادل منه إلى اتفاق نهائي مستقر وقابل للتنفيذ.